الشيخ محمد رشيد رضا
295
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الامام هذا التوجيه في الدرس عن الكشاف وغيره فقال لولا الفاء لصح ولكن الفاء تمنع منه وهذا بناء على مذهبه في عدم زيادة حرف ما في القرآن بلا فائدة على أن الذين يقولون بزيادة بعض الحروف وبعض الكلمات إنما يعنون زيادتها غالبا بحسب الاعراب لا انهم يقولون إن اثباتها وتركها سواء . ووجه العبارة هنا بأن المفعول الثاني في قوله لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ محذوف حذف ايجازا لتذهب النفس في تقديره كل مذهب قال ) والقرآن ما أنزل لتحديد المسائل والاخبار والقصص تحديدا يستوى في فهمه كل قارىء وإنما الغرض الأهم منه اصلاح النفوس والتأثير الصالح فيها بترغيبها في الحق والخير وتنفيرها من ضدهما . فإذا قال ههنا : لا تحسبن الذين يفرحون بكذا ويحبون كذا تتوجه نفس القارئ أو السامع إلى طلب المفعول الثاني وتذهب فيه مذاهب شتى كلها من النوع الذي يليق بمن هذا حالهم ، كأن تقدر لا تحسبنهم مطيعين لربهم أو عاملين بهدايته وعندما يرد عليها بعده فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ يتعين عندها بهذا التفريع الذي ذكر فيه المفعول الثاني ما حذف من الأول لا بشخصه وعينه بل بنوعه لأننا لو قلنا إن ما حذف من الأول هو عين ما أثبت في الثاني لم يكن للتفريع فائدة . ثم قال تعالى : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال الأستاذ الامام عطف هذه الآية على ما قبلها لاتصالها بالآيات التي قبلها ، فالواو فيها عاطفة للجملة المستقلة على مثلها ، كأنه يقول لا تحزنوا أيها المؤمنون ولا تضعفوا واصبروا واتقوا ولا تخورن عزائمكم ، بينوا الحق ولا تكتموا منه شيئا ، ولا تشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا ، ولا تفرحوا بما عملتم ولا تحبوا أن تحمدوا بما لم تفعلوا فان اللّه تعالى يكفيكم ما أهمكم ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها ، فان ملك السماوات والأرض كله له يعطى منه ما يشاء وهو على كل شئ قدير لا يعز عليه نصركم على الذين يؤذونكم بأيديهم وألسنتهم من أهل الكتاب والمشركين ، وإليه ترجع الأمور لأنه هو الذي يدبرها بحكمته وسننه في خلقه . وفي هذا التذييل حجة على كون الخير في اتباع ما أرشد إليه تعالى وتسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين ووعد لهم بالنصر ، وفيه تعريض بذم أولئك المخالفين الذين سبق